سلط تقرير تحليلي موسع نشرته منصة "سي نيوز تركيا" المتخصصة في الشؤون البحرية، الضوء على التعقيدات القانونية والجيوسياسية التي تحكم إمكانية إبرام اتفاقية لترسيم الحدود البحرية بين مصر وتركيا في منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط، وما يترتب عليها من تداخلات مع المطالب اليونانية والقبرصية.
وأشار التقرير، المبني على حوار موسع مع خبير القانون الدولي البحري الدكتور جاهد إستيكبال، إلى أن التقارب الدبلوماسي الأخير بين القاهرة وأنقرة يعد خطوة بالغة القيمة، إلا أن نقل التفاهمات السياسية من "الخرائط الورقية" إلى "مياه المتوسط" يصطدم بجدار من الالتزامات الدولية والنزاعات التاريخية.
وترتكز القراءة التحليلية الصادرة عن المصدر البحري على عدة محاور وصراعات إستراتيجية:
خريطة مصر المكتملة والالتزامات السابقة
أوضح الدكتور إستيكبال أن مصر لن تجلس إلى طاولة أي مفاوضات جديدة مع تركيا بـ "خريطة فارغة"؛ فالقاهرة لديها التزامات قانونية سابقة وموثقة عبر اتفاقيتين دوليتين:
اتفاقية 2003: التي وقعتها مصر مع الجانب القبرصي اليوناني لتحديد حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة.
اتفاقية 2020: التي رسمت فيها مصر جزءًا من حدودها البحرية مع اليونان.
وبناءً على ذلك، فإن أي محاولة لإعادة ترسيم الحدود مع أنقرة ستجبر القاهرة على مراجعة أو تعديل اتفاقياتها الحالية مع جيرانها، وهو أمر يرى الخبير التركي أنه شبه مستحيل ما لم تقدم أنقرة تنازلات جوهرية أو دوافع اقتصادية هائلة تفوق المكاسب اللوجستية الحالية لمصر.
معضلة الجزر اليونانية والمنطقة المتنازع عليها
تتمحور نقطة الخلاف الجوهرية بين تركيا واليونان حول مدى "التأثير والسيادة البحرية" التي يجب منحها للجزر اليونانية (مثل جزيرة كريت وكاستيلوريزو) عند رسم خط الحدود، فضلاً عن عدم اعتراف أنقرة بالإدارة القبرصية اليونانية. ووفقًا لبيانات وزارة الدفاع التركية الصادرة في 28 أكتوبر الماضي، فإن اتجاه مصر لعقد اتفاق مع تركيا بدلاً من اليونان قد يمنح القاهرة مساحة بحرية إضافية شاسعة تتراوح بين 11,500 إلى 15 ألف كيلومتر مربع. ومع ذلك، يؤكد إستيكبال أن "الدول لا تضع مصالحها خلف العلاقات الطيبة"؛ فالمنطقة الإضافية التي تعرضها تركيا على مصر ستكون منطقة "متنازع عليها" ولن تستطيع قوارب الصيد أو سفن الحفر العمل فيها بحرية، مستشهدًا بحادثة طرد السفينة الإيطالية (Saipem 12000) بواسطة السفن الحربية التركية عام 2018.
معادلة الغاز والبحث عن السوق الأوروبية
يرتبط الحساب الإستراتيجي لمصر بملف الطاقة والاستهلاك المحلي؛ حيث تشير بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية إلى اتساع فجوة الإمدادات في السوق المحلية المصرية، مما تسبب في تضاعف واردات مصر من الغاز الطبيعي المسال في عام 2025 إلى ما يقرب من أربعة أضعاف معدلات عام 2024.
وترى التحليلات أن العجز عن إنتاج وتصدير غاز شرق المتوسط بسبب الخلافات السياسية حرم دول المنطقة من تعويض النقص في السوق الأوروبية، وهو ما صب في مصلحة واشنطن؛ حيث أظهرت بيانات "يوروستات" لعام 2025 أن الولايات المتحدة باتت تسيطر على 56% من إجمالي الغاز المسال المستورد في الاتحاد الأوروبي.
المتغير الليبي وتعقيد الموقف
أدخل التقرير المتغير الليبي كعنصر حاسم في المعادلة؛ فرغم إعلان البرلمان الليبي (في طبرق) موافقته الرسمية في 20 أكتوبر 2026 على مذكرة التفاهم البحري الموقعة مع تركيا عام 2019 — وهو ما اعتبرته أنقرة تعزيزاً للموقف السياسي للمذكرة — إلا أن هذا الإجراء واجه رفضًا فوريًا من أثينا، تلاه بيان رسمي من القاهرة في 21 أكتوبر يؤكد أن هذه الموافقة "لا ترتب أي آثار قانونية أو تبعات تمس حقوق مصر البحرية".
واختتم إستيكبال تحليله بالتأكيد على أن الحل الوحيد لإنهاء النزاع وتحويل شرق المتوسط إلى منطقة آمنة للاستثمار الجيولوجي والنفطي، لا يمر عبر الاتفاقيات الثنائية الإقصائية، بل عبر جلوس الأطراف الرئيسة (تركيا، اليونان، ومصر) معًا لصياغة اتفاقيات مؤقتة للإنتاج المشترك دون المساس بالحدود النهائية، تماشيًا مع المادتين 74 و83 من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، مشددًا على قاعدة ملاحية ثابتة: "لن تحصل أي دولة على منطقة بحرية غير متنازع عليها، ما لم يتم تضمين كافة الدول الساحلية ذات الصلة في الاتفاقية الإقليمية".
https://www.seanews.com.tr/article/cairos-priorities-according-to-istikbal-maritime-developments-ahead-mw03oxys

